ابن كثير
85
البداية والنهاية
والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة ، قوموا فبايعوا . فكان أول من قام إليه عبد الله بن همام السلولي وهو يقول : - الله أعطاك التي لا فوقها * وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها * إليك حتى قلدوك طوقها ثم بايعه وبايع الناس بعده . وذكر الواقدي : أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله ، ولا مؤخر لما قدم الله ، وقد كان من قضاء الله وسابقته ما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت ، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة - يعني بالذي يحق لله عليه - من الشدة على لمريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الاسلام وإعلائه ( 1 ) من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارات على أعداء الله عز وجل فلم يكن عاجزا ولا مفرطا ، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد ، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه . ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها . وكان جبارا عنيدا . وقد ورد في ولاية الوليد حديث غريب ، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي ، وكما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الاخبار عن الغيوب المستقبلة ، فيما يتعلق بدولة بني أمية ، وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينا في نفسه حازما في رأيه ، يقال إنه لا تعرف له صبوة ، ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال : لولا أن الله قص لنا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكرا كان يأتي ذكرا كما تؤتى النساء ، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته ، وهو باني مسجد جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه ، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة ، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته وهي عشر سنين ، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصلا . وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا ، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة ، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجدا ، وبقي الجانب الغربي كنيسة بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة ، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم وعوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف ، وقيل عوضهم عنها كنيسة توما ، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى مسجد الصحابة ، وجعل الجميع مسجدا واحدا على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرا في البنيان والزينات والآثار والعمارات ، والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة سبع وثمانين ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة وولى عليها ابن عمه وزوج أخته فاطمة بنت عبد الملك عمر بن عبد العزيز ، فدخلها على ثلاثين بعيرا في ربيع الأول منها ، فنزل
--> ( 1 ) في الطبري 8 / 59 وابن الأثير 4 / 523 : وأعلامه .